هل تساءلت يومًا عن كيف يكون إحساس التعري أمام الناس؟

هذا المقال خاص جدًا. إن لم تكن فضوليًا- ولكم أودك أن تكون- فاترك القراءة حالًا. هذه الفضفضة الشعورية لم أشأ أن أُطلع عليها أحد.. أبدًا. ولكن ها هي يداي تقاومان مشيئتي.. وهأنذا أكتب ما لا أريد مواجهته أو التفكير فيه.. وياليت اكتفت الرغبة بالاحتفاظ به في مذكرات سرية.. مصيرها الحرق في يومٍ من الآيام أو حتى في مسودة غير منشورة. ولكن هذا لم يحدث.. فأنت تقرأ الآن… وآمل أن تتوقف عند هذا الحد!


الخجل من التعري

هل جربت مرة أن تتعرى من ملابسك أمام الناس- أو حتى لشخص واحد فقط- دون أن تشعر بالخجل؟ دون أن تشعر بالحاجة إلى أن ترتدي ملابسك الآن؟ دون أن تفكر هل سينظر إلى الجراح المنثورة على معصميك؟ أو يحكم على كرشك بالقبح أو نحالتك الزائدة باللا مبالاة؟

سأفترض أنك لم تجرب مثلي هذا النوع من التعري الغريب.. الذي يجعلك في مواجهة شرسة بينك وبين جسدك أو اعتقاداتك عن جسدك. وربما شعرت بالاشمئزاز أو النفور أو حتى القشعريرة لمجرد التفكير في تجربة التعري السابقة.. ولكن هل تختلف فكرة تعري الجسد عن تعري الروح؟ هل تختلف فكرة أن نظهر مشاعرنا الحقيقية المجردة الآنية للناس أو لشخص واحد حتى عن تعرية الجسد أو جزء منه؟

ألا تعتقد أن الإنسان حينما ينقل مشاعره، ويصفها، ويحاول جاهدًا أن يجعلها مفهومة للآخرين.. نوعًا من التعري؟ وهل البكاء في لحظات تعري الروح رد فعل يشابه عملية ستر أجسادنا العارية حينما تُكشف فجأة لأي سبب كان؟

عمومًا معرفة إجابة تلك الأسئلة لا تهمني إطلاقًا.. وكما أوضحت سابقًا أن تجربة التعري تعتبر مواجهة لأنفسنا قبل أن تكون مواجهة للناس.. معركة أمام صورتنا الذاتية، وحالتنا النفسية، ودوافعنا، بل وحتى صراع مع كل نتيجة محتملة.

الناس يفسدون كل شيء

في حياتي، كان الناس مهمشيين في أغلب الأوقات.. إذ لم أستطع يوما أن أقتنع بعلاقتي مع البشر.. لقد كان الناس يفسدون كل مفهوم طيب أكونه عن الحياة.. تحدثوا عن الوطنية، ولم أجدها إلا في شعارات الثورات التي فشلت. تحدثوا عن الأخلاق ولم أجدها إلا في منشورات الفيسبوك الغاضبة.. وتحدثوا عن الحب ولم أجده إلا في تقبيلهم للميتين.. تحدثوا عن الصداقة.. العدالة.. الحرية.. السعادة.. كل شيء، ولم أجده.

من الواضح جدًا أن هناك خلل ما في علاقتي مع الناس، إننا على الرغم من أننا متشابهون.. متشابهون جدا -شئت أم أبيت- في المآسي والالآم والرغبات.. إلا أننا لم نستطع يوما أن نشعر ببعضنا كأناس أصحاء يتفهمون دوافع بعضهم بعضا.. نرفض أن نتعرى في سبيل أن نشعر فيما بعد بأن ملابسنا تسترنا.. نرفض أن نواجه الناس لأننا في الحقيقة نخشى أنفسنا.

لا أقصد بلفظ الناس هنا عموم الناس على وجه الأرض- بالطبع هذه سخافة لا يعقل أن أقصدها- ولكنني أقصد عموم الناس الذين تعاملت معهم حتى هذه اللحظة بصورة تسمح لي أن أقول أنه كان «تعامل».

لا أريد علاقات مزيفة

أشعر دائمًا بأن كل الناس قساة، بليدون، ومزيفون. كان هذا الحائط يمنعني تمامًا من أن أدخل أي علاقة وأنا آمل بشيء مختلف. ربما لم تكن الفكرة واضحة بهذا الوضوح كما آراها الآن. ولكنني شكلتها بعد سلسة من التجارب التي اصطدمت بها مع البشر. هم جميلون جدًا حينما لا تتعارض مصالحكم. عندئذ، تظهر أنيابهم، ويحيكون الدسائس وهم يبتسمون.

لكن عذرًا، لا أحكم حكمًا مطلقًا. والمشكلة الحقيقية التي تمنعني من الحكم المطلق هو أنني وجدت الأغلبية لا تشعر بتلك العملية المؤلمة والقاسية التي تمارسها على من سواهم.. لتبدو أغلب أفعال البشر مبررة ومنطقية، بل وأيضا، خيرة وحسنة في نظرهم! لا أستثني نفسي طبعًا من هذا الكلام، ولربما الفرق الوحيد بيني وبين من آذوني.. هو إدراكي أنني أؤذيهم.

وعملية الإيذاء هذه لا ينتج عنها خاسر وحيد، مهما كانت الانتصارات أكيدة وعديدة. لأنك في كل معركة تفوز فيها بشيء ما.. تتنازل وبشكل إجباري، عن شيء آخر. أنا أدرك بعض خساراتي التي خسرتها من أجل أن أجاري الناس في شوؤنهم، ولعل أبرزها هو عدم القدرة على تصديقهم.. وعدم الإيمان بألمهم الذي صنعوه بأيديهم ليشكوا منه فيما بعد.

الأنانية تفسد كل شيء على الرغم من أنها هي المحرك لكل شيء! واها لو يمكنني الفهم والشرح! واها لو أمكنني أن أضع يداي على المشكلة.. ولكن مهما حاولت.. ومهما دققت.. يبدو أن الأمور مستفحلة لأعماق الأعماق.. ويبدو أن التعري غير ممكن أبدًا!

المصدر: Unsplash

هدف الإنسان: التخلص من المسؤوليات

هذا الصباح، طلبت من صديق مساعدتي في بعض شأني، فأخبرني بموافقته وطلبت منه أن يخبرني إذا لم يستطع في موعد محدد.. حتى أستطيع الاستعداد والقيام بالأمر بنفسي.. وانتظرت.
وبعد فوات الموعد بمدة طويلة، جاءني اتصال من رقمه ولكن المتحدث شخص آخر يخبرني بأن صديقي لن يستطيع مساعدتي لأن ### (حجة غير منطقية).

لم أكن سأبالي لو أخبرني صديقي منذ بداية طلبي بعدم رغبته في مساعدتي، وقال بهدوء: آسف، لن أستطيع. وسأقول هذا يقع ضمن مجال اختياراته وطبعا هذا مجرد طلب أولا وأخيرا. ولعلني تفهمته بسهولة لو أخبرني قبل الموعد لأكون مستعدًا، لا مشكلة. ولعلني سأكون متفهما قليلا لو أخبرني بنفسه أو لم يعطني سببا ملفقًا.. ولكن لم يحدث أي من هذا.

يخاف الناس من المواجهة.. ولا أدري، هل تجنبنا لما نخجل منه يحمينا من وقوعه؟ وفكرت أن أعاتبه، ولكن تلاشت تلك الفكرة بسرعة جدا من بالي.. ما الذي أنتظره تحديدا؟ ما الذي سيفيدني لو قدم برهانًا على عجزه؟

إن فكرة توقع المرء حدوث شيء ما هي فكرة سيئة في حد ذاتها.. فما بالك لو اعتمدت في حدوثها على البشر؟

عموما أنا أتفهم رغبة البشر في الخلاص المستمر من المسؤوليات، ولذلك أعذرهم دائما وأبدا. وهم في عيني، كاللاعبون يريدون أن يستمتعوا لمجدهم الشخصي ولكل ما هو محسوس ملموس بالنسبة لهم.

التعري كفضيلة

لذلك، استياءي من البشر قد لا يكون بسبب أفعالهم بقدر ما هو استياء من فكرة كونهم بشرا.. وبأنهم كائنات عليها أن تتغذى على الأنانية التي يحاولون تنظيمها.. كائنات لا تستطيع أن تتعرى دون أن تخاف.. ودعنا نشبه الأنانية بأعمدة البيت وحوائطه بل وحتى سقفه..
والمنطق هو الطلاء، هو الغلاف.. هو القشرة الخارجية التي نداري بها الطوب الأحمر الذي نخجل منه ويسوء منظرنا تذكر أنه الأصل.

لكنني وبشكل جاد، أعلن أنني لا أخجل من كوني أنانيا بطريقة ما في مواقف معنية. وبأنني أقلق كثيرًا من فكرة التعري .. لكن وبكل صدق، أحاول جاهدا أن أهدم البيت بأعمدته.. لأن الخلاء هو المكان الوحيد الذي تشعر فيه بالحرية لأن تصبح كما أنت.

من أجل ذلك، لم أستطع يوما أن أقتنع بعلاقتي مع البشر حتى هذه اللحظة.. نحن بحاجة حقيقية وضرورية لفهم أنفسنا.. إذ لا نستطيع العيش طويلا مع علاقات مزيفة.. علاقات لا نستطيع أن نتعرى فيها من مخاوفنا، صورنا الذاتية، أحكامنا المسبقة، انعكاساتنا الداخلية.. وأنانيتنا.

لا نستطيع العيش دون أن نكشف ملابسنا في بعض الأحايين، ونبحر أمام أمواج الدنيا بجسد مكشوف.. وبابتسامة مطمئنة.. وبروح لا تخاف من مواجهة حقيقتها.

على مرأى القمر المكتمل الثابت، في غرفة من غرف المنازل المبعثرة على سطح الأرض، على مسمع حفيف الأشجار وتنهيدات البشر.. أعلن أن التعري جائز.


أغنية Somebody that I used to know توضح جزءًا مما أقصده..

فكرتين عن“هل تساءلت يومًا عن كيف يكون إحساس التعري أمام الناس؟”

  1. كلام عميق 🖤 لك كل الراحة في كل شيء يا رب العالمين

  2. Pingback: فيلم Persona : أكثر فيلم محزن شاهدته في حياتي

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: