الفراغ الوجودي

كورونا والحجر الصحي يبعثان الفراغ الوجودي مجددًا!

قال جاني بعد يومين

يبكي لي بدمع العين

يشكي من حب جديد

يحكي وأنا ناري تقيد

هكذا عبرت سميرة سعيد عن صدمتها من اعتراف حبيبها بحبه الجديد.. وعن فراغها العاطفي.. وما أشبهه بـ الفراغ الوجودي. ولكن يا بخت حبيبها، صاحب الحب المتجدد.. وأنا الذي لم أستطع أن أقتنع بالحب ولو مرة!

 فكرت وأنا أستمع لهذه الأغنية الحزينة في الكثير من الأشياء غير العملية.. تلك الأشياء الأهم في الحياة!

وفي أيام الحجر الصحي بسبب تفشي جائحة فيروس كورونا (سارس كوف-2)، لا أملك الكثير من الحواجز النفسية لصد الهجمات الوجودية.  ويكأن كورونا أحيا الفراغ الوجودي الذي رافقته لمدة كبيرة في حياتي.. الأسئلة عن الجدوى، والماهية، والعبرة، والنتيجة.. كلها كانت تمسك بيديَّ تجرني خلفها. واستطعت بالاندماج مع الحاضر أن أتخلص رويدًا رويدًا من هجماتها.. ولكن الفراغ يعود من جديد.. بقوة، وكأنه ما رحل أبدًا!!

أتناسى ولا أنسى

دعني أشرح الموضوع بدون مقدمات كثيرة.. أنا أتعمد تناسي الفراغ الوجودي ولم أنساه يومًا.. بل ظل شبحًا حاضرًا بقوة في جميع أفعالي ومشاهدي.. أراه على ناصية الشارع يحدق بعينيه الباكيتين.. أراه أيام المرض، يضحك على بلاهة الحياة ويتندر من جدية مشاعرنا.. أراه في طريق الجامعة جالسًا بجواري يحاول تنبيهي.. ولكن أتحاشاه، بكل طاقة.. بكل صبر.. وبكل إيمان.

إنني أردك تمامًا أن الوعي مرض.. لعله مرض فيروسي، لا يوجد له علاج حتى الآن ككورونا. أو لعله باكتيريا مقاومة للمضادات الحياتية.. اصبر، أقول لك.. إن الوعي مرض وراثي لا يعالج!

وكذلك يولد بعض الأشخاص بالوعي، فيشل حركتها، ويدفعها لتهميش الفرح والمشاعر والضحكات على حساب إيجاد مبرر لكل هذا الألم.. بلا أمل! وللأسف، وأنا في كامل ثباتي الانفعالي، لا أستطيع شرح أسبابي التي تدفعني على الاستمرار حتى لنفسي.. مما يؤكد لي نظرية أننا على الرغم من أننا كجنس بشري أساس الحضارة الحالية الموجودة على الأرض غير أننا هامشيون جدًا.

ما تفسير حياتنا في ظل الفراغ الوجودي؟

ربما أفضل تفسير لحياتنا، هو أننا خلقنا للموت.. خلقنا لنسير في طريق ينتهي.. ربما فكرة وجودنا تتلخص في هذا، ولكن الموت كنتيجة شيء مخيف جدًا! ليس لأنه قد يكون مؤلم أو لأنه الفراق النهائي لأحبائنا ورغباتنا.. ولكن لأننا لا نعرف إلى أين نذهب؟

حينما ننام، لا نعرف أين هو وعينا، إننا حتى اليوم لا نستطيع إيجاد بديلا عن النوم! أي أننا وبطريقة غير مفسرة، منساقون بشكل لا إرادي وغير قابل للمقاومة باحتياجات جسد لا نفقه كل احتياجاته ولا مبررها.. لذلك، فكرة مقاومة الموت، المرض، النوم، الحياة.. أقوى من الإنسان.

ربما هي أقوى منه كفرد، لا أدري هل تتغير المعادلة كمجموعة.. ويكون الكل أكبر من الجزء أم لا.. ولكن ما أعرفه أن الحياة من حيث المبدأ هو أمر معجز! تخيل أن كل هذه التعقيدات، الابتكارات، الاحتياجات، المساكن، الأفكار، الكتب، الأفلام، المبادئ، الأخلاق، الأديان قدمها أشخاص غير موجودين الآن. أشخاص جاءوا الحياة بكل نشاط، ورحلوا على رغم من كل مقاومة.

إن الإنسان يحب أن يفهم لمّ هو هنا؟ ولمَ عليه أن يكون؟ ولمَ عليه أن يستمر؟ ولمَ عليه أن يقتنع بأي شيء موجود.. إنني هنا أحاول فرد أوراق الحياة.. على أمل أن أصل بشكل ما إلى رؤيتها من الأعلى بعيدًا عن مشاعري وأفكاري.. ولكن أعود، أؤكد مجددًا.. انعدام جدوى هذه المحاولة.. وبأنه من المجدي لكل إنسان أن يفكر في وجبة العشاء عن التفكير في سبب جوعه، طالما أن جوعه لن ينتهي.

كيف كانت بداية الفراغ الوجودي؟

ولكن ما باليد حيلة، الحجر الصحي يعطيني الفرصة، وها هو يحثني على الاستمرار.. ها هو يخبرني بجمال اللعبة. مجددًا ومن البداية:

– مجموعة من الناس وجدت نفسها في مكان غريب في ظروف أغرب.

– لا تدري من أين أتت ولا أين تذهب.

– واجهت تحديات الحر والبرد والجوع والعطش، فاستخدموا إمكانيات جسدهم ومهارات عقلهم لإشباع رغباتهم.. فبنوا البيوت للاحتماء، والزراعة وغيرها من المستجدات التي ستأتي بعدها مثل التجارة والصناعة ليضمنوا أبسط احتياجاتهم وهي الأكل والشرب والجنس.

– ولكن بسبب تنوع المعطيات، وجودة أشياء عن أشياء، استأثر الأغنى والأقوى بالأجود والأفضل.. وانقسم الناس طبقات طبقات.

– وبدأت الحياة تخرج عن حد السيطرة، وتوالد أناس.. ازدهرت المباني.. وتطورت الأساليب ونشأت الرفاهية.. وظهرت الأفكار والمعتقدات لحماية المستضعفين، ولم ينجح أي فكر مهما كان قويا أو مثاليا بجعل الناس متساويين.. بل إن أكثر التشريعات مثالية في نظرنا هي التي نظرت للحياة بصورتها التي وجدتها، لترى أن فكرة تساوي الناس ستجلب هدم للنظام المتعارف عليه بالكلية..

– وها نحن جميعًا، في مكان ما، في زمن معين.. نحاول الرجوع إلى البداية ونفهم لم وكيف بدأت؟ ولكن المشكلة الحقيقة تكمن هنا، في هل لو وجدنا أن البداية كانت خاطئة أو عشوائية وغير مبرر لها.. وتأكدنا من هذا، ما الذي يجب علينا فعله الآن؟؟ هل يصبح من يقرر الاستمرار جبان؟ أم يصبح من يقرر الانتهاء هو الجبان؟

كلنا عرائس ماريونيت

من الواضح، أننا ما زلنا دمى الحياة، ولا نعرف أي شيء عنها حتى الآن. وهنا احتمالان فقط.. إما أن يكون كل هذا خطأ غير مقصود.. لذلك هو غير مفهوم لهذا الحد.  وإما أن يكون هناك شيء أكبر من استيعابنا.. ولكن الاحتمال الثاني، على قدر ما هو يولد الأمل، وعلى قدر ما هو يعفينا عن البحث والتساؤل ويملأ الفراغ.. إلا أنه غير مبرر تمامًا.. ما الجدوى؟ ما النتيجة؟ وما السبب؟

إنني لا أتخيل مع وجود الاحتمال الثاني إلا صدمة تناسب قوة ما نتعرض له في هذه الحياة.. صدمة تفوق حجم ما فكر فيه آلاف البشر الذين نصفهم بالعلماء والأذكياء.. ولا أتقبل بساطة عبوديتنا.. ولكن حينما نقترب من إدراك أننا كائنات هامشية جدًا، وخاضعين بشكل لا يمكن مقاومته لاحتياجات جسد لا نفهمه بشكل كامل.. وبأن هناك كائن أقوى نستمد منه وجودنا، وهو غني تمامًا عنّا بكل ما تحمله الكلمة من معنى.. يتغير مفهوم العبودية، ويصبح أشبه بالتأمل والانبهار.. والتحديق في هذا الكون الفسيح مع تفاصيل الجسد المعقد جزء من عملية العبادة.

 ولكن يبقى قبول فكرة العبث أيسر وأكثر منطقية، من فكرة الاحتمال الثاني مع غياب الدلائل والتبريرات. إذ أننا لا نعرف ما مهمتنا هنا تحديدًا؟ ولماذا هناك تفرقة في الإمكانيات الفردية والمجتمعية؟ هل نحن –في ظل وجود الاحتمال الثاني- من نختار أفعالنا حقًا؟ هل نحن مَن نختار أن نكون أنبياء أم صحابة؟ أن نكون علماء أم مستمعين؟ أن نكون نبلاء أم كادحين؟

ولكن تعود “حدود المهمة” في الظهور، لأنه إذا عرفنا ما الذي يتوجب علينا فعله، وآمنا بمنطقيته وتبريراته، فسنرضى بشكل خاشع بتلك المهمة.. وسيتلاشى الفراغ الوجودي.

ولكن آه يا عزيزي القارئ، الحياة بائسة جدًا لدرجة غياب ما يبررها!

النهاية مفتوحة

لا أريد خوض نقاش مباشر حول عدالة الطبقية أو الدائرة المفرغة التي قدمتها الأفكار والمعتقدات كحل لمعضلة الوجود.. ولن أتشعب بشكل أساسي في نقاش احتمالات الاحتمالين.. لأنه ليس إما (أ) أو (ب). بل هناك شجرة تفريعات رهيبة مستمرة. ولكن من وجهة نظري، أن الاحتمال الثاني يمكن النظر إليه بأنه مجرد عامل من عوامل التكيف التي سعى الإنسان لابتكارها لمساعدته على تقبل وجوده.

ولكن لماذا الإنسان غبي لهذا الحد ليصدق كذبة هو مخترها؟ لا أعلم، وهذا يجدد الشك في منطقية تلك النظرة. يبدو أن على الإنسان الرضوخ إلى مرض الوعي وتقبله.. والتسليم بــ الفراغ الوجودي إلى حين انتهاء أجله. فعلى كلِ، الوقت يمر بسرعة.. بسرعة رهيبة هنا.. وكأن الكون يحاول تخفيف أثر وجوده علينا.

ويخربيتك يا كورونا!

آه من جرح الاحساس

دا آلامه أشد آلام

 أوصيك بالصبر يا قلبي

دا غرامه طلع أوهام

 

اقرأ أيضًا:

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: