اللغة العربية الفصحى: لماذا لغتنا تخجلنا؟

خجلنا من اللغة العربية الفصحى لا يحتاجُ إلى برهان، سواءً أكان التحدث بها أم حتى مجرد كتابتها! ولا أعلم تحديدًا ما الصورة المخجلة التي نحاول تجنبها بالبعد عن لغتنا؟ ولم تكن هذه الأسئلة وليدة اللحظة، لذا دعني آخذك للبداية بدون مقدمات كثيرة.

بداية القصيدة

لماذا تكتبون على واجهات المتاجر بالإنجليزية؟

كان هذا أول سؤال أستقبله من صديقي الإيطالي في بداية تجولنا في أحد أحياء القاهرة الجديدة. في الحقيقة، وقفت مشدوهًا لثواني ، فأولًا: أنا لم أتوقع استقبال هذا السؤال، فالكتابة بالإنجليزية بدلًا من اللغة العربية على الواجهات يعتبر سمة أساسية في الكثير من المناطق.. وخاصة  (الراقية). ثم إنني لم أستوعب بسرعة أن هذا السؤال بحاجة إلى إجابة أصلًا!

ولا أخفي عليك، حاولت أن أجيبه برد ينصف المجتمع.. ويرضي فضوله إلا أن الصمت ابتلعني.

تردد الشخصية العربية المعاصرة

وكان هذا السؤال مدخلي لتفحص الشخصية المصرية المعاصرة خاصةً، والعربية عمومًا. ووقفت أسأل فعلًا لماذا لا نكتب بالعربية؟ ولماذا في الكثير من المطاعم لا تجد أي حرف عربي في قائمتهم التي توجد في جمهورية مصر (العربية)؟ لماذا يكتب المعظم أسماءهم على الفيس بوك باللاتينية؟ هل Mohammed  تبدو أرقي من محمد؟ هل Noha  تبدو أجمل من نهى؟

لماذا نحن في حالة (بين) و(بين)، نخجل من لغتنا في نفس وقت اعتزازنا بغناها وصمودها؟ ولقد كتبت مقالًا سابقًا عن إمكانية التحدث باللغة العربية الفصحى، أنصح بقراءته لتفاصيل أكثر حول رؤيتي لقابلية التحدث بالفصحى في حياتنا اليومية.


الانقلاب على اللغة العربية

من الواضح أن الأسئلة لا تنتهي! فهل يتوقف الأمر على واجهات المتاجر؟ لماذا يفضل البعض ويستسهل تطعيم لغته بكلمات أجنبية لتحصل عملية تشويه وتهجين لـلغتين.. فتنبثق لغة جديدة لا هي فصيحة كالأولى أو سهلة كالثانية.

إننا لا نملك إجابة قاطعة على هذه الأسئلة.. فالإجابات تتخذ نطاقًا متشعبًا يختلف باختلاف التوجهات الفكرية لصاحبها. وستتوقف على من سنحمله التقصير.. اللغة أم نحن؟ الماضي أم الحاضر؟ وبينما يرى البعض أن اللغة تشكل أساسا في الهوية الوطنية ويتمسك بها تمسكًا محكمًا.. سيرى الآخر أن اللغة مجرد أداة تواصل وطالما أنت تفهمني فلماذا كل هذه الكلاكيع؟

لكن دعنا نحاول الوصول لإجابة واقعية، هل يصعد المجتمع بلغته ثم يترقى اقتصاديًا، أم العكس هو الذي يحدث؟ 

وماذا عن محتوى الانترنت باللغة العربية الضئيل إذا ما قورن بعدد الناطقين بها؟ فهناك فجوة حقيقية بين عدد مستخدمي الإنترنت العرب، وبين المحتوى العربي المتوفر في الإنترنت أصلًا،

يعني، لا في لهجة.. ولا في لغة فالحون!


 اللغة العربية الفصحى بين التطوير والتهجين

من الصعب أن ينكر أحد صحة المنطق الذي يرى انصهار اللغة في نسيج لغات أخرى عملية حيوية ضرورية. لكن على الرغم من صحته، إلا أنه في نهاية المطاف منطق غير مفيد على المدى البعيد إذ أنه لا يعتمد على أسس محددة ثابتة .. فإنه يرى أن كل الأشياء تتغير.. ومحاولة منع هذه العملية ضرب من التخلف والجمود وهذا صحيح.. ولكن عملية تطوير اللغة لا تعني بالضرورة تهجينها.

كما أن هذا المنطق لا يخبرنا إلى أي مدى يجدر بنا التوقف ..وهل كتابة واجهات المتاجر وتدريس المواد العملية في الجامعات بلغات أجنبية لا يشعر بها الطالب ولا يتعامل بها في حياته اليومية تطوير؟؟ هل هذا سيفيد بشكل ما في بناء الشخصية المصرية و(العربية)؟

منتجات جميعها كُتب بأحرف لاتينيةمما يوضح غياب اللغة العربية العامية أو الفصحى من دورة استهلاكنا اليومي
منتجات جميعها كُتب بأحرف لاتينية

فبينما تستطيع أن تقرأ إذا كنت إيطاليًا تعيش في إيطاليا مكونات علبة النوتيلا بلغتك الأم.. (وهذا مثال بسيط)

فإنك ستندهش إذا ما وجدت اسم العلامة المسجلة قد كتب بالعربية من الأساس ناهيك عن المكونات في مصر. لماذا تستطع اللغات الأخرى فعل هذا بينما في مصر نجد الازدواجية اللغوية واضحة في كل المجالات؟؟

هل حقًا أحوال اللغة العربية كباقي اللغات؟

في الحقيقة الأمر ليس بهذه البساطة، فاللغة العربية متعددة اللهجات.. ولا يوجد مَن يتحدثها في حياته اليومية وينحصر دورها تقريبا في الصحف ونشرات الأخبار والصلوات..

أي أنها تعتبر عند الأغلبية لغة يستقبلونها.. وهم منفصلون تماما عن إنتاجها.. ولأن أغلب المحاولات لتطوير العربية أو تسهيلها يقاوم بسبب اعتبارها لغة مقدسة غير قابلة للتطوير أو لغة غير منطوقة فلا جدوى من التغيير!

هذه الأسباب جعلت المجتمع ينشئ لهجة تتميز بالمرونة لتتوافر فيها احتياجاته وكالمعتاد، تتسع مع الوقت الفجوة بين اللغة واللهجة لتتحول اللهجة إلى لغة مستقلة كما حدث في حالة اللاتينية واللغات الأوروبية… وأظنه مؤشر على ما الذي قد يحدث مستقبلًا باستمرار الحال كما هو عليه!

الأكثر قلقا من هذه الحالة أن تستبدل اللغة ولهجتها بلغة أخرى ..والأكثر إخافة أن يتم هذا الاستبدال على يد أبناء اللغة أنفسهم!

 ولكن ما العيب في الازدواجية اللغوية التي نحن فيها؟

نحن مجتمع يشعر بالعامية ويكتب بالفصحى ويتعلم بالإنجليزية أو الفرنسية.. وينظر باحتقار إلى لغته التي من المفترض أنه يتكلمها ويعبر بها عن عواطفه..  ويرى كل متحدث بغيرها في مكانة عليا.. أليس هذا سخيفًا؟ أليس هذا مجتمع يبدد طاقته من غير طائل وسيتبع دائما التيار ولن يكون أبدًا محركه؟؟

من الكتب اللطيفة التي ناقشت بطريقة جذابة مسألة الازدواجية اللغوية، كتاب (أتكلم جميع اللغات، لكن بالعربية) للكاتب المغربي/عبد الفتاح كيليطو.. (من المفارقات أنه قد كتبه بالفرنسية!).. وأكثر ما جذبني إليه هو الاسم الذي سرعان ما عرفت أنه اقتباس معدل من أحد كتابي المفضلين (كافكا) حينما نقل في يومياته قول فنانة تشيكية: أترون.. إنني أتكلم اللغات جميعها، لكن بالييديش!

ونحن وإن لم نعترف بشكل صريح، فمهما كانت اللغة التي سنتكلمها، فسيكون للعربية تأثيرًا واضحًا عليها. لا أقصد التأثير على قواعد تلك اللغة أو مصطلحاتها، بقدر ما هو تأثير عليك وأنت تتحدث اللغة، ترجمة الجمل، اللكنة الأجنبية، التعابير القوية، وغير ذلك من الانفعالات التي نشعر بها ويُقرر عقلنا الاستجابة إليها بطريقة أكثر انفعالًا عن أي لغة أخرى.

فلفظ أحبك أو بحبك.. لا يكون له نفس الأثر حينما نقول I love you.. وقِس على ذلك الكثير! وهذا ما حاول إيضاحه عبدالفتاح كيليطو.

اللغة باعتبارها مقاومة

ولقد شعر الرافعي بوجوب الاهتمام باللغة العربية، والسعي الحثيث لاستخدامها.. وعبر عن ذلك في كتابه وحي القلم بجمل رائعة، أقتبس منها هنا:

وما ذلَّت لغة شعب إلا ذلّ، ولا انحطت إلا كان أمره فى ذهاب وإدبار، ومن هذا يفرض الأجنبى المستعمر لغته فرضًا على الأمة المستعمرة، ويركبهم بها، ويشعرهم عظمته فيها، ويستلحقهم من ناحيتها، فيحكم عليهم أحكامًا ثلاثة فى عمل واحد: أما الأول فحبس لغتهم فى لغته سجنًا مؤبدًا، وأما الثانى فالحكم على ماضيهم بالقتل محوًا ونسيانًا، وأما الثالث فتقييد مستقبلهم فى الأغلال التى يصنعها، فأمرهم من بعدها لأمره تبع.

وعلى الرغم من أوصاف الرافعي الدقيقة، ولكننا ما زلنا أمام معضلة حقيقية، إذا وافق الجميع أو الأغلب على الكتابة باللغة العربية الفصحى، فهل هناك اتفاق موحد أو واضح لآلية هذا التطبيق؟ وهذا أيضًا ينقلنا للسؤال التالي:

الكتابة باللغة العربية الفصحى، هل يستحق الأمر فعلًا؟

سأحاول أن أكون حياديًا، لنفكر بشكل أفضل:

بعيدا عن العواطف الزائدة، فنحن أمام خطر حقيقي له أبعاد اقتصادية واجتماعية وثقافية رهيبة بين كل الأجيال وكل بلاد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التي تعتبر اللغة العربية لغة رسمية.

فحينما ينقطع الشعب عن لغته، أقصد امتداد لغته سيصبح في النهاية ناقلا حرفيا وتابعا لكل الأمم الأخرى المنتجة كما عبر عن ذلك الكثير من الكُتاب، منهم الرافعي كمثال سابق قد أوضحته. ولدينا حال التعليم العقيم في البلاد العربية كدليل أوضح، أخبرني عن حركة ترجمة ونشر العلوم باللغة العربية الفصحى؟ الأفلام والمسلسلات باللغة العربية؟ الأغاني؟ الأشعار الحديثة؟ حتى الروايات صار يتخللها العامية بشكل فظ.

ولكن ماذا عن خصوصية العامية؟

نعم، لا أريد إهدار خصوصية وحق العامية. فهي تميز كل بقعة بما حملته من امتزاج واحتكاك واستعمار وغزو!

  • فعلى سبيل المثال، يوجد الكثير من الكلمات المصرية القبطية القديمة في العامية المصرية.
  • وتوجد الكثير من الكلمات الأمازيغية في الدارجة المغاربية، وقس على ذلك في الدول الأخرى.

فإذا التزمنا بالفصحى كما هي الآن دون استيعاب ودمج آثار لغات القوميات غير العربية (دول شمال أفريقيا والشام ) سنصبح في معركة تؤججها القومية والإثنية، مما سيزيد من حجم التوترات والدعوات التفريقية.. كما نراها الآن، ومنذ زمن!

أيضا، آثار الغزو سواء كان عثمانيا أو فيما بعده من الفرنسي والإنجليزي وما نتج عنهما من مصطلحات كثيرة، تأثرت بهما دول عربية عديدة، مثل:

  • المغرب (بالإضافة إلى الإسبانية)،
  • الجزائر، تونس، ليبيا (كلمات إيطالية)،
  • مصر( كلمات تركية وفارسية وفرنسية وإيطالية)
  • ولبنان (إنجليزية وفرنسية)
  • والعراق ( تركية وإيرانية) وغير ذلك الكثير.

ناهيك عن الغزو الإمبريالي الحالي، المتمثل في صعود الرأسمالية الأمريكية وهيمنة الإنجليزية في كل المجالات تقريبًا، ما أدى إلى دخول كلمات كثيرة بل وتعابير كاملة للغات عديدة، وبالطبع سيكون أكثر من يتأثر هي الدول النامية ( وهذا هو الحال في كل الدول العربية). ولا نجد اليوم تيارًا واحدًا أو مقاومة لهذا المد الذي يهمش أهمية اللغة وقدرتها على مواكبة التطور والعصر.

هنا، يوجد معضلة، هل يجب التخلص من آثار الاستعمار أم استعاربها ودمجها هي الأخرى؟

وفي رأيي، لو وجد لها بديلا عربيا يجب استبدالها به، أما ما لا نجده، فأن تستوعبه العربية سيكون إضافة لها.

أنا مع الكتابة والحديث باللغة العربية الفصحى!

لذلك أنا مع الكتابة والحديث باللغة العربية- بعد تحديثها ودمجها – بتلك الطريقة ستستوعب منطقتنا كلها القوميات العرقية والاختلافات الدينية المنتشرة بكثرة والمهمشة مما سيقلل من إيجاد حلول جذرية قد تكون متطرفة بأن تهمش العربية تماما أو يستبدل الحرف العربي باللاتيني أو غيرهما من الدعوات.

أما أن نكتب بالفصحى بوضعها الحالي ونكتفي بالعامية في الحديث لا أراه حلا أصلا. هو مجرد مسكن مؤقت، سرعان ما ستستيقظ شعوب المنطقة على جهلها المفرط وانعدام خصوصيتها وصلتها بالماضي أو المستقبل.

جدير بالذكر أنه لمن المفيد للكل أن تخرج اللغة العربية من طورها المقتصر على الدين، لنرى مؤلفات علمية وأدبية عالمية وشعبية تشمل جميع جوانب الحياة.

ويجب التنويه على أهمية الاعتراف باللغات الأخرى الموجودة في المنطقة اعترافا رسميا مثل الأمازيغية، الكردية، السريانية وهكذا.

بعد فعل ذلك، سيستحق الأمر فعلًا!

آخر الكلام:

بينما يؤمن الفيلسوفان “أحمد لطفي السيد” و “سلامة موسى” بضرورة تبسيط اللغة العربية وقواعد نحوها والاعتراف بالعامية المصرية واستبدال الحرف العربي باللاتيني.. وبينما أومن بأننا بحاجةٍ ماسة إلى العناية باللغة العربية، وأن عملية تطويرها ليست أصعب من بعث العبرية وتحديث التركية والتعامل مع رموز الصينية المعقدة ..

 وقفت أمام صديقي ونظرت إلى المتجر وقلت له بثقة مقاوما الصمت: أزمة هوية، مصر تعاني من أزمة هوية.


اللغة العربية الفصحى والحديث بها والاهتمام بالترجمة
ترشيحات كتب عن اللغة العربية

5 كتب ناقشت أحوال اللغة العربية الفصحى:

  1. اللغة العربية كائن حي، جرجي زيدان.
  2. أتكلم جميع اللغات لكن بالعربية، عبدالفتاح كيليطو
  3. البلاغة العصرية واللغة العربية، سلامة موسى.
  4. لتحيا اللغة العربية.. يسقط سيبويه، شريف شوباشي.
  5. الحروف اللاتينية لكتابة العربية، عبدالعزيز فهمي.
المراجع: 

مستعد لدخول عالم السينما والأدب؟ اشترك في القائمة البريدية الآن، وتابع المدونة على اليوتيوب ليصلك أفضل الترشيحات والمراجعات.
كل التوفيق.

4 أفكار عن “اللغة العربية الفصحى: لماذا لغتنا تخجلنا؟”

  1. فعلا هذه أزمة حقيقية وأظن أن أولي الأمر ورؤسا لهم السلطة في تغير هذه المعضلة في وقت قصير والشعوب تتقبل بعدها لكن “لقد أسمعت حيا لو ناديت لكن لا حياة لمن تنادي”

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: