كتاب ختم الذاكرة بالشمع الأحمر - غادة السمان

كتاب ختم ذاكرة بالشمع الأحمر : هل يستحق الأمر يا غادة؟

تقول غادة السمان في كتاب ختم ذاكرة بالشمع الأحمر : «ثم إني لا أرضى برسم القلوب رمزاً للحب، لأنني أؤمن بأن الحب يقطن الإنسان بأكمله، وإذا كان لا بد من رمز للحب، فليكن الدماغ قبل القلب، توكيدًا على أن الحب فعل مسؤولية، وإبداع عن سابق تصميم وتصور» – غادة السمان.

آثرت نقل هذا الاقتباس تحديدًا في بداية كلامي، لأنني انفعلت للغاية من مشاعر غادة السمان في كتابها ختم الذاكرة بالشمع الأحمر المكتظ بالأحاسيس والأسئلة، ولأنها حاولت التوضيح بأن محل حبها هو عقلها.

وإذا كان ينبع من عقلها كل هذه المشاعر.. إذا كان حبها يفيض بهذا الألم والعذاب والذكريات.. فهي إنسانة قويّة وهشة! مؤمنة وناسكة! معبرة وكتومة. هي إنسانة بكل ما يحتويه اللفظ من انفعالات وتناقضات، فما هو تقييمي لكتاب ختم ذاكرة بالشمع الأحمر؟

تمهيد لا بد منه قبل الحديث عن كتاب ختم ذاكرة بالشمع الأحمر

في البداية، وقبل الحديث عن مقالات وخواطر ختم الذاكرة بالشمع الأحمر وما بها من جمال وإنسانية وعاطفة جياشة، دعنّي أوضح لك أنني أعجبت تماماً وبقوة بــ «المصارحة» التي كانت في بداية الكتاب.. لأن كلماتها مختصرة، وواضحة، وحقيقية.

تبدأ بجملة قوية وتجبرك على الاستمرار في القراءة بذكاء.. «هذه الكتابات كان من المفترض أن تنشر بعد موتي إذا كان هنالك من يهمه ذلك».

ويدفعك فضولك لمعرفة نوعية الكتابات التي كان من المفترض أن تبقى سراً لا يكشف إلا بعد موت غادة السمان؟ لكنها قررت نشره خوفًا على احتراق أوراقها مرةً أخرى (المرة الأولى كان في الحرب اللبنانية الأولى 1974-1974).

اقرأ أيضًا: كتاب التكيف النفسي: كيف تفهم حالتك النفسية؟

موضوع كتاب ختم ذاكرة بالشمع الأحمر

يعد كتاب ختم الذاكرة بالشمع الأحمر الكتاب الرابع من سلسلة الأعمال غير الكاملة لغادة السمان. ضم مواضيعًا عديدة مؤلفة من خواطر ومقالات وذكريات تحت عناوين رئيسية منها: لك حبي، وتأملات شبه نرجسية حول كتبي، شاعر يزور مع الليل وغيرها.

تبدأ غادة السمان ختم الذاكرة بالشمع الأحمر بمقال باسم «هوامش على فاتورة دمشقية» والذي أضحكني بحزن؛ إذ انتظرت غادة رسالةً من دمشق طوال غيابها لتتفاجأ بأن الرسالة المرسلة هي «فاتورة».

وسترى في هذه البداية الملحمية والمضحكة بحزنٍ صلة السمان بماضيها ووطنها، وحبها الجياش له، وقدرتها على وصف مشاعرها برفاهية المتعبين وبأمل المغتربين!

ولن يتبين حبها لوطنها من هذه المقالة فقط، بل إنها دائمًا ما تذكر ارتباطها بالوطن في أجزاء مختلفة من مقالاتها. وأعجبتني التشبيهات هنا:

«مثل زهرة دوار الشمس كنت أدير وجهي ملاحقة رقصة العصر المسعورة، ولكن جذوري كانت أبداً مغروسة في «قاسيونك» ونسغك يصب في شراييني، وكانت الغربة عنك مزيدًا  من الالتصاق برحم تاريخك».

غادة السمان

نقد كتاب ختم ذاكرة بالشمع الأحمر

لغة غادة السمان شاعرية لحد بعيد وهذا يتجلى بوضوح في خواطر كثيرة منها على سبيل المثال كن موتي الأخير، لكن قرأت تعبيرات مستهلكة، أظن أن هذا ناتجًا عن استهلاك هذه المصطلحات وتكرارها في الفترة الزمنية الحالية.

أضف إلى ذلك أنني لست من عشاق العاطفة الزائدة التي لا أعرف مبررها أو أحداثها، لهذا لا أحب الأشعار أو الخواطر العاطفية على سبيل المثال، وللسبب نفسه لم تعجبني خواطرها مثل: «وصل الحب.. رحل الحب» و«كن موتي الأخير»؛ لأنها عاطفية.

على الرغم من جمال وانسيابية التعابير. لكن على النقيض  -ولا أعلم كيف أشرح هذا-  أحببت ثلج النسيان الأسود. أما عن القضايا التي تحدثت عنها غادة السمان في خواطرها ومقالاتها، فكانت في الأغلب تتحدث عن الوطن الضائع.. الحبيب الغائب.. والحزن الناتج عن كليهما ووحشة الروح.

في هذه النصوص سترى روحاً متألقة في سماء الكلمات، تنسج تعابير متشابكة رائعة لا تفتقر لشيء إلا السعادة، ربما، أن الحزن قد زاد من عمقها.. وعمّق من عاطفتها.. فكلامها بسيط وشاعريّ بلا تكلف.. وهذا جميل جدًا. تقول غادة السمان في ختم الذاكرة بالشمع الأحمر:

«أناديكم أيها الطيبون والبسطاء والعشاق، أناديكم يا من لا تزالون تعرفون الصلاة والبكاء».

 في هذا الاستنجاد الخالي من التعقيد روعةً وتدفقًا، فكأنها تنادي على مَن مثلها بأسلوبٍ يتعارفون به.. طيب.. بسيط.. عاشق!  إضافة إلى أن غادة السمان طرحت في كتاب ختم الذاكرة بالشمع الأحمر أسئلةً فلسفية، حاولت الإجابة عليها في سياق كلامها وفي أجزاء من خواطرها. أضفى هذا جزءًا لطيفًا من اللعبة الفكريّة على هذه الجديّة العاطفية!

اقرأ أيضًا: مراجعة رواية الإنسان الصرصار | لماذا عليك قراءة رواية في قبوي لدوستويفسكي؟

لاحظت أن الكتاب مقسم إلى أجزاء وفُصل بين أجزائه باقتباسات من شكسبير، فان جوخ، ويلا كاثر، وميشيل دي مونتين. وهذا حثني على مزيد من التأمل والتركيز مع ما كتبته السمان من خواطر لأرى علاقتها بما اقتبسته.

والمؤسف أنني لم أجد إلا علاقات غير واضحة.. ربما هي اقتباسات أعجبتها فأحبت توثيقها.. لكن على العموم، كانت توابل حلوة في الكتاب! 

اقتباس من ختم الذاكرة بالشمع الأحمر لغادة السمان 
اقتباس من ختم الذاكرة بالشمع الأحمر لغادة السمان 

هل يستحق أن تقرأه؟

لا أعرف لمَ أم هل أنا الوحيد الذي شعرت بهذا، حينما أقرأ كتابات غادة السمان عمومًا أجدُ  أسلوبها ساخرًا ممزوجًا بعاطفة قوية، وكأنها تسخر من ألمها أو إن ألمها يسخر منها؟

أو من الممكن أن تكون هذه مصادفة، عكستها مشاعري على الكتابات البريئة! لا أدري ولكن في مقال كمقال: «كتابات على دمعة» حزنت بضحك؛ إذ ولد عندي هذا المقال وغيره مشاعر مختلطة كمشاعر كاتبتها!

لكن لأسف هناك أخطاء علميّة نقلتها غادة السمان- دون قصد على ما أظن- فمثلاً قالت أنها قرأت في إحدى مجلات العلوم أنه «تم اختراع» طريقة لنقل الذاكرة من شخص لآخر.. الخطأ: أنه لم يخترع بعد هذا الجهاز، لكنها فكرة صحيحة نظريًا.

ولكننا عرفنا شيئًا مهمًا عن شخصيتها وهي أنها مهتمة بالعلوم، وربطت بين العلم والأدب في مقالها الرائع «تأملات أدبية في اختراع علمي».. وكان هذا مؤثرًا.

أعجبني مقال: «ما رأي طيور الغاب بهيئتنا الجرادية» وحواراتها مع «شاعر يزور مع الليل» كانت بديعة وجليلة. أحببتها وأحببت الحوارات وفكرتها لطيفة أيضًا. بالإضافة إلى وجود مقالات وقفت أمام كلماتها أتأملها بعاطفة لا حدود لها، لذلك يمكنني القول أن ختم الذاكرة بالشمع الأحمر يستحق القراءة بكل تأكيد.

وهي على اطلاعٍ واسع بكتابات الغرب، فقد ذكرت الإخوة كارامازوف لدوستويفسكي، اقتباسات كثيرة من أدباء ألمانيا، تشبيهات بروايات كافكا، دانتي وغيرهم الكثير.

يمكن أن تطلع على العديد من الاقتباسات العميقة والرائعة التي كتبها دوستويفسكي في رواية الإخوة كارامازوف من الفيديو الذي انتقيت أجمل اقتباساته التي أعجبتني من هنا:

اقتباسات الإخوة كارامازرف- الروح الحاضرة في كتابات غادة السمان

 التأمل سمة الكتاب

غادة السمان كاتبة تعرف جيدًا كيف تقول ما تريد، ولقد استمتعت بقراءة خواطرها ومذكراتها وبعض من حكايتها التي خرجت منها بجملٍ عذبة.. ترثي مرة حال الناس.. تكتب بشغف عن موطنها.. تعلن حبها للحياة.. واحتجاجها على الموت! أي أنها متأملة للغاية ويتضح لك هذا في نصوصها العديدة.

والتأمل هو صفة الكتاب الناجحين. ولقد عبرت في كتاب ختم الذاكرة بالشمع الأحمر عن تمردها على الموروثات البالية كالعنصرية تجاه اللون وتمردها على الموت وتمردها على نظام التعليم الفاشل. 

وتم كل هذا بأسلوب بسيط وسلس يدفعك للاستمرار في القراءة دون مللٍ، لذلك أرى هذا الكتاب مناسبًا جدًا للمنفصلين أو المحزونين أو لوقت المطر حينما ترتعد السماء!

اقرأ أيضًا:

كلمة أخيرة

في النهاية، غادة السمان كاتبة تستفز  أحاسيسك. يقولون الصراع بين عقل وعقلٍ من أمتع الصراعات الممكنة. ولكنني وجدت هنا أمتع صراعٍ: الصراع بين عاطفة وعاطفة.. بين إحساس وإحساس.. بين كلمة نريد قولها وكلمة نكتمها بداخلنا.

لذلك كتاب ختم الذاكرة بالشمع الأحمر ممتع جدًا. في رحلة من الأفكار التي تغذيها مشاعرها.. أو مشاعرها التي تغذيها الأفكار.. لتضعك في حيرة من أمرك.. ماذا؟ ما الحقيقة؟ وهل يستحق الأمر يا غادة؟

وملخص كلامي غادة السمان، كاتبة تقرأ لها في الليالي الممطرة.. حين ترتعش من الوحدة.. أو حين تود أن تكون وحيدًا! في النهاية هل قرأت الكتاب؟ أخبرني رأيك عنه في التعليقات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

%d مدونون معجبون بهذه: