مراجعة فيلم The devil wears prada | السعي وراء الحياة غير العادية

يعتبر فيلم The devil wears Prada  (الشيطان يرتدي برادا) من الأفلام العبقرية التي نجحت في تجسيد الحياة المعقدة والفارغة لجزء كبير من المشاهير عن طريق عرض الصراع بين الحياة العادية وحياة الأضواء.

أما عني فقد بات يزعجني النور على الدوام.. لا أعلم هل هي حالة مرضية أم مجرد رهبتي من أن تراني التفاصيل وأراها بوضوح. لكنني، لم أكن على الدوامِ كذلك. بل كانت تعتري حياتي – وما زالت –  فترات ألهثُ فيها وراء الأضواء، أي الوضوح، والمعرفة، وأن يتم اكتشافي. إن السعي وراء حياة سعيدة ممتلئة بالرغبة والإرادة وعيش تجربة مختلفة هو أكثر ما دمرني!

تحت ضوء الشيطان الذي يرتدي برادا  (The Devil Wears Prada)

يذكرني هذا الحال  بفيلم الشيطان يرتدي برادا The Devil Wears Prada)) الذي اقتبس من روايةٍ تحمل نفس الاسم لــ لاورين ويسبيرجير.. يعرض الفيلم قصة آندي الفتاة الطموحة حديثة التخرج.. التي تتقدم إلى العمل في مجلة  Runwayكسكرتيرة ثانية لميراندا بريستلي، أحد أهم الشخصيات في عالم الأزياء، تلك الوظيفة التي تكرر وصفها طوال الفيلم على أنها ” وظيفة يتقاتل ملايين الفتيات عليها”.

 وعلى الرغم من بُعد آندي التام عن عالم الأزياء والموضة، وبأنها فتاة متواضعة جدًا في اختيار ملابسها.. إلا أنها تقرر التقديم على هذه الوظيفة أملًا في بناء علاقات مستقبلية أوسع تمكنها من العمل كصحفية كما تريد.

توابع السعي وراء الحياة غير العادية من فيلم The Devil Wears Prada

بسبب ملل رئيسة المجلة ميراندا بريستلي من الفتيات السطحيات، قررت تعيين آندي على خلاف المتوقع من الجميع. ومع الوقت، تحولت الفتاة التي كانت تسخر من المبالغة الشديدة بتفاصيل الأزياء وعناصر الألوان إلى واحدة منهن تبدل ملابسها بأناقة رفيعة الطراز كل يوم.

وكانت تحت ضغط متواصل لإثباتِ ذاتها لميراندا حتى يُعترف بنجاحها وذكائها.. انجرفت مع تيار الواقع نحو سلاسل من الأضواء والحفلات والمناسبات. لن أحرق عليكَ باقي الأحداث (أو سأحرقها لا أعلم!)، ولكن آندي ستقرر التخلي عن كل شيء في لحظة نجاحها لأنها تأكدت من أنها لا تريد هذا الطريق.. فبعدما تخلت عن حبيبها، وأصدقائها، وتسطحت علاقتها بهم، ورأت أن رئيستها ميراندا تعيش حياة تخلو من الحياة فعلًا! حياة نعيشها من أجل إثبات أحقيتنا بها أمام الأضواء والمجلات.. لكنها خلف الشاشة، خلف ما يراه الناس.. حياة بائسة، متناقضة، مؤلمة، يحيطها الفراغ من كل جانب! (هل حرقت عليك الأحداث؟ أعتذر، اندمجت قليلًا.. لكن ما زال مهمًا أن تشاهد الفيلم!)

مشهد آندي حينما تقرر الرحيل من فيلم الشيطان يرتدي برادا
مشهد آندي حينما تقرر الرحيل من فيلم الشيطان يرتدي برادا

ترشيحٌ مميزٌ لك:

أفضل 10 أفلام شاهدتها في حياتي!

هل نستطيع التمسك بحياتنا العادية دون أن نجرب ارتداء برادا؟

لا أعرف هل ينبغي على كل فردٍ تجربة طموحه الجامح حتى وإن لم يكن مناسبًا له منذ البداية كما فعلت بطلة فيلم The Devil Wears Prada، أم يكتفي بالصعود على سلم الطموح المنطقي.. أو استمرار حياته التي يمر عليها الوقت لتنتهي ببساطة واعتيادية.. ويكتب على قبره (عاش عادي ومات عادي).

لكننا نحاول بشتى الطرق الخروج عن مسار يومنا الرتيب.. نحاول أن نتعرف على صديق جديد، نجري محادثة مع غريب، نسافر لمكان مميز، ننتقل إلى وظيفة أخرى، نمل من علاقتنا القديمة.. ونيأس من إيجاد أي بدائل، فما العمل؟ هل ينبغي أن نحاول الوصول مهما كلفنا الأمر؟ حتى وإن تنازلنا عن أسرتنا وأصدقائنا مثلًا كما كادت تفعل آندي؟ ماذا لو وجدنا الأمر يناقض ما نؤمن به، فآندي لم تكن تريد الاعتلاء على حساب زميلتها في العمل إلا أنها وجدت نفسها تفعل.

لم ترد تغيير أسلوب ملبسها، لكنها فعلت. لم ترد العمل في مجلة أزياء أصلًا، لكنها فعلت واستمرت.. الخ.

متى يجدر بنا التوقف؟

في رواية إحدى عشر دقيقة لباولو كويلو علقت بذهني جملة جميلة جدًا وهي: ( قليل من الناس يعرفون متى يجدر بهم التوقف).

وفي الحقيقة، هذه الجملة معبرة وصادقة للغاية. ففي الكثير من مواقفي الشخصية كنت أعرف أنه يجب عليَّ التوقف، أن أعتذر وأرحل.. أو أرحل حتى دون اعتذار.. أن أرفض.. أقول لا، أو يجب أن أنصرف الآن! لا أقصد قول هذه الأمور بشكل عام لشخص آخر، ربما نحتاج قولها أيضًا لأنفسنا حينما نريد شيئًا لا يناسبنا بشدة.

ولكن الخط بين الاستمرار مع تدفق الأمر وبين الاستجابة لرفضنا رفيع جدا جدا جدا.. وهشٌ وبحاجة إلى بُعد نظر. ربما توفر لآندي التوقف والرفض، بعدما رأت حياة ميراندا الهشة والفارغة، تلك الحياة الأسرية الفاشلة، والاجتماعية المزيفة، فكان أمامها نموذجًا واضحًا وحيَّا على وحشية نتائج الاختيارات الخاطئة، فهل يمكن أن يتوفر لنا جميعًا هذا النموذج؟ هل يمكن أن نكتسب بعد النظر قبل فوات الأوان ؟

من آخر الحوارات التي تبين مقصدي والتي جرت بين آندي وميراندا:

?Andy Sachs: But what if this isn’t what I want? I mean what if I don’t wanna live the way you live

Miranda Priestly: Oh, don’t be ridiculous. Andrea. Everybody wants this. Everybody wants to be us.

آندي: لكن ماذا لو لم يكن هذا ما أردته؟ أعني ماذا لو لم أُرد أن أعيش بنفس طريقتك؟

ميراندا: لا تكوني سخيفة، فالجميع يريد هذا، الكل يريد أن يصبح ما نحن عليه!

 

العيش سعيدًا مع تجنب الحقيقة

في الحقيقة، لقد كتبت الجزء السابق على مرة واحدة بينما كنت أكافح تعطشي المستمر وهوسي بملاحقة بعض الأمور غير المفيدة.. وحينما عدتُ لأقرأ ما وقفت عليه، وجدتني أتحاشى الحديث عن نموذج (آندي) الحيَّ، وهو نموذجي. ومن الممكن أن يكون نموذجك أنت أيضًا. ذلك النموذج القاهر الذي نُربط به منذ اللحظات الأولى: في المدرسة الابتدائية؟ غدًا ستكون ما تريد في الإعدادية، وحينما تصل.. لا شيء. ماذا عن الثانوية؟ ستحرر في الجامعة؟ وحينما تصل.. لا شيء. ماذا بعد الجامعة؟ الزواج؟ الأطفال؟

هل شعرت بتفاهة نمط الحياة السابق؟ أرجوك لا تفعل! فإن هذا النمط هو أهم ما يجب أن تتمسك به، أهم ما يجب أن تصدقه وتؤمن بمميزاته. صدقني، ما المختلف الذي يُمكن أن تفعله؟ وهل الأشخاص الأكثر عبقرية.. الأكثر نجاحًا ونضجًا لم يسيروا على نفس النهج؟

الإنسان العادي vs  The Devil Wears Prada

إن محاولتنا المستمرة في زعزعة استقرار (العادي)، ستجعل من حياتنا المختلفة التي نسعى إليها حياة بهلوانية مضطربة. وفي كل يوم، ستحلم أن ترتدي برادا أو جوتشي، ولكن ماذا بعد؟؟

ماذا عن وجبة جميلة على الغداء مع أسرتك.. وعلاقة دافئة مع زوجك/زوجتك.. ماذا عن صلة الرحم.. وممارسة هواياتك.. والتواصل الفعال مع الآخرين.. هل يمكن أن تضحي بكل هذا من أجل بعض لقطات الكاميرا بينما يلاحقك المراسلون؟ هل يمكن أن تتنازل عن كل قيمك من أجل أن يكتب عنك الآخرون؟

لا أعلم، ولكن آندي رفضت.. وتعرفت على الشيطان الذي يرتدي برادا.. وأدركت أنه ليس على الشيطان أن يكون ذميم الخلقة والخصال، بل يُمكن أن يبتسم كأسعد ملاك.. يرتدي أفضل الماركات.. يعيش كملك يطوف حوله كبار الزوار.

ليس ما يُميز الشيطان أنه قبيح أو مجرم.. إن ما يميز الشيطان أنه تعيس.. إن التعاسة هي ما تميز الشيطان. حينما يدرك أن الجميع لا يريد الحياة التي يعيشها، الحياة التي يتوهمها، الحياة التي يقدسها.  حينما يشعر بالفراغ الدائم والسخط المستمر.. حينما يصدم يتمنى، فيجد كل ما يتمناه إلا أنه ما زال حزينًا قانطًا.

ميراندا (Meryl Streep in The Devil Wears Prada (2006)
ميراندا (Meryl Streep in The Devil Wears Prada (2006)

وإلى كل الشياطين التي بداخلنا.. إلى كل الشياطين التي نقابلها.. إلى كل الشياطين التي نؤمن بها ونقلدها.. إلى الشيطان الذي يرتدي برادا.. هل يمكن أن تعترف ولو للحظة بأن متعتك تكمن في الخداع؟

ترشيحٌ مميزٌ لك:

مراجعة فيلم طعم الكرز|| هل الانتحار هو الحل؟

تأثير برادا على حياتنا اليوم

يذكرني هذا الفيلم بسؤال صادفته على منصة كورا، حيثُ رغبت السائلة في معرفة الطريقة التي تجعل حياتها مميزة وغير عادية تمامًا، لأنها –كما تصف نفسها (عادية للغاية). شيءٌ مؤلم أن تشعر بأنك غير مؤهل أو كافٍ بما فيه الكفاية للإحساسِ بالرضا لمجرد أنك لا تشبه المشاهير وفاحشي الثراء والعلماء شديدي الذكاء.

مؤلمٌ أن ترى نفسك لا تستحق الحياة الطبيعية والعادية وتنفر من الأمور البسيطة التي لا تلتقطها الكاميرا. وهو ما دفعني لكتابة إجابة طويلة– نسبيًا- حول هذه النقاط. أحبُ أن أرفق جزءًا منها هنا:

(بعد عدة سنوات من جهدي المبذول في التخلص من العادي، أدركت أن أفضل الأشياء التي يمكن أن أصبحها هو العادي.. أن أبذل كل جهدي في فعل ما أحبه، دون النظر إلى نتيجته.. سواء اعترف الناس بما أقدمه على أنه متميز أو عادي.. لا يهم حقًا…

هل كنت يوما ذا معنى لهذا العالم؟ لا أعتقد. هل تعرف ماذا؟ أنا لا أهتم حقا إن كنت كذلك أم لا. فما زالت احتياجاتي الأساسية بحاجة للمراعاة. ما زلت بحاجة إلى الحب، الرضا، تقبل الذات.. هذا هو ما يستحق اهتمامي، وما يستحق السعي إليه…

اليوم أنا شخص عادي، أحب كوني عاديا، وافتخر بهذا. أتخيل نفسي لو نظرت من أعلى على كل الأشخاص في العالم، العاديين والذين ندعوهم مختلفين.. لما كدت أعرف الفرق. وما كدت أهتم أصلا! أأترك جمال الطبيعة بجبالها وأنهارها وتنوعها وأنظر لتنافس لا يحقق؟ )

وأنتَ ما الذي تراه، هل ترغب فعلًا في ارتداء برادا؟

فكرتين عن“مراجعة فيلم The devil wears prada | السعي وراء الحياة غير العادية”

  1. إضاءة على فيلم ممتع وقراءة للفيلم جيدة ، شكرا على الجهد في تحليل الفيلم ، دمت بخير

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: