the platform

مراجعة فيلم The platform الإسباني(El Hoyo): ما معنى أن تلتهم حياة الآخرين؟

مفهوم التكافل الاجتماعي والاشتراكية قديمان جدًا جدًا. ولقد عُرضت هذه المفاهيم وقُدمت للعامة بأشكالٍ كثيرة، على هيئة كتب كتبها قائدي الحركات الاشتراكية أو روايات تفننت في عرض سلبيات المركزيّة والرأسماليّة.. وأخيرًا في أعمال سينمائية هامة، ظهر منها على الساحة مؤخرًا فيلم Parasite  الكوري، وفيلمنا في هذا المقال: The platform/ المنصة الإسباني.

” هناك ثلاثة أنواعٍ من البشر: الموجودون بالأعلى، الموجودون بالأسفل، والذين يسقطون”.

قصة فيلم  (2019) The platform:

تدور أحداث الفيلم عن شخص مثقف يُدعى جورينج (إيفان ماساجي) يشارك باختياره في تجربة “المنصة” وهو مكان أشبه بالسجن مكون من عدة طبقات (على حسب ظن جورينج في البداية كان عددها 250 طبقة، إلا أنها استمرت بالنزول حتى الطبقة 333).. ويتبدل مقيمي كل طبقة في بداية كل شهر.. وتهبط من الـ Platform مائدة مُعدة بشتى أنواع الطعام وما يكفي لإشباع كل المقيمين فيها من الطبقة صفر حتى الطبقة الأخيرة.

إلا أن الواقع يختلف كليًا، فستجد أن الطعام قلما يتجاوز الطبقة المائة.. ليغرق المقيمون فيما بعدها في دمائهم وأفعالهم الحيوانية من قتلٍ وأكل لحوم بعضهم بعضًا لدرء الجوع.

الإعلان الترويجي لفيلم the platform

كتبا ديفيد ديسولا وبيدرو ريفيرو الفيلم بطريقة مُتسلسلة، نعم لم تعرض الأبعاد النفسيّة والتغيرات الشخصية بصورة مُفصلة.. لكن من الممكن أنهما تجاوزاها من أجل تسريع وتيرة الفيلم للتقليل من الملل. وقد نجح المخرج جالدير جازتلو  اوروتیا في استفزازي للغاية، وأعتقد أنك إذا شاهدت الفيلم.. ستُستَفَز أيضًا، وهذا يُظهر احترافية جالدير.

جانب  أعجبني في فيلم The platform

بعيدًا عن الفكرة أو ما يحيط بها من جوانب أخرى سأعقب عليها فيما بعد، أرى أن تجسيد مفهوم التشارك والتضامن الاجتماعي بهذه الصورة كان قويًا ومختلفًا ويبعث في النفس تساؤلات عديدة.. باعتبار عملية إعداد الطعام من إدارة المنصة تمت على أكمل وجهٍ وبعناية فائقة كما يظهر في بداية الفيلم..

ليوجه المخرج والكاتب أنظار المشاهد إلى أن الخطأ في المنصة ليس إداريًا وإنما يكمن في مشكلة المقيمين وعدم تعاطفهم ومؤازرتهم لبعضهم بعضًا بما يكفي  (لكن، للأسف هذا يتناقض مع نهاية الفيلم كما سترى في نهاية المقال).

تسطيح الواقع بطريقة سينمائية عميقة:

لم يكتف فيلم The Platform عن تسطيح موارد الطبيعة أو رغبات الإنسان وحصرها في الحصول على الطعام، ولكنه تجنب الاصطدام بمفاهيم “النفعية المجتمعية” أيضًا..

فمثلًا، لنفترض أنني سائق وسأحصل على المال بمجرد أن أوصلك لمكانك الذي تبغاه.. هنا، حصلت على حصتي من المال لأنني قدمت خدمة استفدت أنت بها.. ولكن جاري، عاطل عن العمل أو هو مجرد شخص كسول لا يرغب في تأدية أي مهمة.. هل يكون من الإنصاف أن نحصل على نفس حصة المال؟

ما نراه في فيلم The platform هو عرض خجول لفكرة التضامن، يتجنب إظهار الفروقات الفردية المقدمة للمجتمع.. والتي على أساسها-من المفترض- أن يحصل كل فرد على نصيبه من المال/ الأكل/ الشراب… الخ.

أنا لا أنكر بأي شكلٍ من الأشكال وجود مشاكل جوهرية في نظام تسعير الخدمات والمهن على مستوى العالم، ولا أنكر وقوعنا في شباك المصلحة على حساب الإنسانية.. ولكن ما أريد قوله أن فيلم المنصة قد افترض أمورًا أخرجته من واقعية الفكرة، وأنه تجنب عرض الحقيقة كاملة خالقًا قصة تناسب فقط فكرته، ومختزلًا الكثير من الأمور.

هل الإنسان كائن شرير بطبعه؟ The platform يقول نعم!

في فيلم The platform، ستجد دماءً، سكاكين تقطع جسدك من أجل إشباع جوع أصحابها، خداع في صورة كلمات منمقة، منطق يخبرك بأن تتقبل تضحيتك وذبحك من أجل مصلحة الجميع (ما يتوافق مع فكرة صلب المسيح- لذا سينادي الكثير من مقيمي المنصة على جورينج بالـمسيح). في The platform وهمٌ صدقه الإنسان على مدار تاريخه.. إذ لم يستطع الإنسان يومًا أن يكون أقوى من رغباته.

ستجد هذا في شخصية العجوز ترايماجاسي ( زوريون إجيلور ) الذي لم يمانع من أكل صاحبه المقيم معه حينما اشتد عليه الجوع… أو في شخصيات المنصة الأخرى.. حتى الأم، فهي قاتلة باسم حماية ابنتها.. فالكل هنا يبحث عن نفسه، الكل هنا يشكو ألمه الخاص.

وسرعان ما يتحول بطل فيلمنا إلى شخصية حيوانية.. لكنه يقابل امرأة طيبة/ساذجة تُدعى أميجوري- ستنتحر في النهاية بسبب صدمتها من الواقع- تحاول تغيير منظور مقيمي المنصة من شخصيات حيوانية أنانية لا تلتفت إلا لنفسها إلى شخصيات قادرة على التشارك العفوي والتضامن الطوعي.

العلاقة الدينية بين التضامن العفوي والابتلاء

وتكمن هنا نظرة دينية بحتة متأثرة بالأديان الإبراهيمية خصوصًا.. وهي اختبار الله لعباده من خلال عرضهم لابتلاءات متتابعة من أجل رؤية استجابتهم وفحص نياتهم.. لنلقِ نظرة على هذه الآيات:

  • في القرآن الكريم: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ  [سورة الملك- 2].
  • الكتاب المقدس: “طُوبَى لِلرَّجُلِ الَّذِي يَحْتَمِلُ التَّجْرِبَةَ، لأَنَّهُ إِذَا تَزَكَّى يَنَالُ إِكْلِيلَ الْحَيَاةِ الَّذِي وَعَدَ بِهِ الرَّبُّ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَهُ” (رسالة يعقوب 1: 12)

وهي فكرة بقدر ما تبدو تفاؤلية وتعطي إرادة وحرية للإنسان إلا أن نهاية الفيلم تناقضها تمامًا، فحينما رغب بطل المنصة عن التوقف عن لعب دور التبديل الطبقي والأنانية المقززة.. قرر إرسال إشارة إلى إدارة المنصة (حلوى البانا كوتا  ثم الطفلة فيما بعد).. أي أن الحلول بات لا يصلح خروجها من مقيمي المنصة، فالأمور خارجة عن السيطرة، فهل فقد الأمل في البشر… أخيرًا؟!

التقاء جورينج بالطفلة من فيلم المنصة (the platform)
التقاء جورينج بالطفلة

وهذا يُشير إلى خلل في إدارة المنصة نفسها، فعلى الرغم من التأكيد على غياب أي أطفال في المنصة، إلا أن جورينج يفاجأ بوجود الطفلة الصغيرة، أي أن قوانين المنصة (رفض دخول مَن هم أقل من 16 عامًا) لم يُلتزم بها أصلًا. وهذا يُفسر جعل الرسالة الطفلة بدلًا من الحلوى، لأنها إشارة واضحة للإدارة على فشلها في الالتزام بقوانينها. (سأعقب على هذه النقطة في النهاية، تابع القراءة).

هل يتقبل العالم اجتماع الشر ووجود الإله معًا؟

سؤال فلسفي أزلي أبديّ.. والكثير من الأوصاف المعقدة التي يمكن حشوها هنا.. ولكن لا تظن أنني أخرج عن موضوع الفيلم.. أبدًا، ففكرة وجود الإله طُرحت بشكل غير مركزّ في المنصة إلا أنها تبقى حاضرة- وبقوة- في الحوار..

خذ على سبيل المثال سؤال البطل جورينج للعجوز ترايماجاسي:

-هل تؤمن بوجود الله؟

– نعم، أؤمن به هذا الشهر.

وأعتقد أن الكاتب حاول التسليط على فكرة العدل الدنيوي وغياب التضامن الاجتماعي العادل في ظل اعتراف المؤمنين بعدل الله.. والحق يقال، هذا تساؤل ليس جديدًا طرحه أو عرضه.

وأثناء كتابتي لهذا المقال، انتابني الفضول لأعرف ما إجابة بعض المواقع الدينية على هذا السؤال قبل الخوض في المزيد من التفاصيل.. ولأنني أحب أن أشارككَ بما أقرأه، هذا بعض مما وجدته:

  • قرأت على موقع “شهود يهوه” هذا السؤال: لمَ يلوم الناس الله خطأً على كل الآلام التي تبتلي العالم اليوم؟‏

وكانت الإجابة على حسب الموقع:

هل تعرف لمَ يلوم الناس الله خطأً على كل الآلام التي تبتلي العالم اليوم؟‏ كثيرا ما يلوم الناس الله القادر على كل شيء لأنهم يعتقدون انه الحاكم الفعلي لهذا العالم.‏ فهم يجهلون حقيقة بسيطة —‏ ولكن مهمة —‏ يعلّمها الكتاب المقدس… ان الحاكم الفعلي لهذا العالم هو الشيطان ابليس.‏

أما على حسب موقع إسلام ويب، فهذا جزء من إجابتهم على سؤال مشابه

“…إن أفعال الله سبحانه وتعالى كلها خير وحكمة وليس فيها شر بإطلاق، وإن كانت شراً على بعض الخلق بسبب كسبهم واختيارهم. ثانياً: الشر هذا الذي نراه إنما هو في مقدوراته ومفعولاته، ويوضح هذا أننا نجد في بعض المخلوقات المقدورات شراً كالحيات والعقارب، ونجد الأمراض والفقر والجدب وما أشبه ذلك، فكل هذه بالنسبة للإنسان شرا لأنها لا تلائمه، لكن باعتبار نسبتها إلى الله هي خير لأن الله لم يقدرها إلا لحكمة عرفها من عرفها وجهلها من جهلها. وليس هذا موضع تفصيل، لكن عليك أخي بمعرفة هذا القدر… “

ربما لا يتسع المجال للحديث عن هذه النقطة، فهي تحتاج أكثر من مقال منفرد.. وإلى ذلك الحين، نعود إلى أن إدراج الكاتب لهذه المعضلة بطريقة العرض تلك كان لها دورًا مميزًا في طرح تساؤلات فلسفية بشكلٍ مختلف.  

مشاهد The platform  العنيفة:

دعني أشير إلى مشكلة واجهت العديد من المشاهدين.. وهي المشاهد الدمويّة والمقززة في كثيرٍ من مواقف المنصة، كتقطيع الجلد، مناظر الدماء، العنف الواضح.

 ومَن يُعاني من فوبيا المرتفعات أو الدم سيكون هذا الفيلم من أسوأ ما يُمكن مشاهدته! ولكن هذه المشاهد-على الرغم من قذارتها- إلا أنني أشعر بتعمد إدراجها من قبل المخرج.. وهذه نقطة قويّة لأنها تسلط الضوء على مقدار بشاعة تصرفات الناس عند تعارض مصالحهم مع بعضهم بعضًا.

 ولا أعتقد أن هناك شططًا في إظهار تلك الحقائق، فخذ على سبيل المثال ما نراه في استغلال الكثير من التجار أزمة فيروس كورونا المستجد في مختلف المناطق حول العالم.

والتاريخ يخبرنا بما هو أسوأ من فيلم المنصة، جرائم استعباد ذوي البشرة السوداء.. ومجازر الاستعمار والغزوات.. وغيرها من الحِقب التي مرت على البشر.. قد أظهرت بوضوح تصارعهم الحيوانيّ على البقاء.

تفسير وجود رواية دون كيخوتي دي لا مانتشا في فيلم The platform:

تفسير هذه الجزئية لها علاقة كبيرة بنهاية الفيلم، بل وحتى دوافع جورينج.. فكما قلتُ سابقًا، نحن نرى تسطيحًا للقصة وللشخصيات.. ولكن بالنظر إلى الأمور الرمزية في المنصة.. سندرك الكثير مما يُريده المخرج، خذ على سبيل المثال:

  • الحوارات المتكررة والبسيطة جدًا كانت رمزيةً لحدٍ بعيد كما أوضحت في الفقرات السابقة، كمعضلة وجود الشر في العالم.
  • اختيار ترايماجاسي للسكين الحاد، دلَ على نضجه ووعيه بأمور الحياة في المنصة.. وفَهمه الواضح والمكشوف لدوافع النفس البشرية بتبسيطٍ قوي، فمثلًا حواره مع جورينج:

– أنت قاتل..

– لا، لا. أنا أعتبر نفسي شخصًا خائفًا، مثلك تمامًا.

  • ولكن الجزء الرمزيّ الأكبر، والذي سيوضح لك النهاية.. هو رمزية رواية دون كيخوتي للأديب الإسباني ميغيل دي ثيربانتس.. ولمن لم يقرأها بعد، فهذا ملخص سريع لقصتها:

فهم رمزية فيلم The platform من خلال ملخص رواية دون كيخوتي

تعرض الرواية حياة رجلٍ مغامر شغوف بالفروسية، صاحب مزرعة ومُرفه ولديه ما يكفي من المال.. يقضي جل وقته في القراءة عن الفروسيّة.. ليقرر في يوم من الأيام، أن يصبح فارسًا كالأبطال الذين قرأ عنه، فيُطلق على نفسه دون كيخوتي ويمتطي فرسه بحثًا عن أعداءه.. ولأنهم غير موجودين، قضى وقته في مهاجمة طواحين الهواء. جدير بالذكر أنه أدرك غباءه لكن بعد فوات الأوان، فقد أصابته حمى ومات مُضيعًا حياته على أوهام، ومقتنعًا أنه فارس نبيل في معركة ساميّة.

ضِف على ذلك،  أنه أقنع جاره الساذج بمساعدته في مهمته، كما أنه أُعجب بجارته الفتاة القروية دون علمها، ليسبح في مخيلته معها في أنهار الحب والعشق!

التقاء جورينج بالطفلة
رفيق جورينج في الغرفة، والذي أقنعه بالنزول معه للطبقات السفلى

لو حاولت التوفيق بتمعنٍ بين أحداث الرواية والفيلم، ستجدها متوافقة تمامًا، فبطلنا جورينج ساذج يقضي وقته في زنزانة المنصة قارئًا الكتب بينما تستهزئ به أميجوري قائلة: ليس هذا بالمكان الجيد لمَن يحب قراءة الكتب! ويُقنع رفيقه في المنصة بالنزول من الطبقة السادسة (من أعلى الطبقات)  إلى آخر طبقاتها من أجل إجبار باقي المقيمين على  ترك وجبات لمن هم في الأسفل.. ويُهلوس في أحلامه برؤية الأم التي يتخيل إقامة علاقة جنسية معها دون حتى أن تلفظ له بكلمة!

نهاية The platform كما صرح بها المخرج جالدير جازتلو  

كما أوضحت في جزئية ” هل الإنسان كائن شرير بطبعه”.. أنه على حسب تسلسل الأحداث في الفيلم، فجورينج قد مات بعدما اعتلت الطفلة (الرسالة) مائدة الطعام لتكون إشارةً واضحة للإدارة بظلمها. ولكن جالدير جازتلو أوضح بحذر: ” بالنسبة لي، لا وجود للطابق الأدنى.. لقد مات جورينج قبل بلوغه.. وما بعده من المشاهد ما هي إلا تصوراته عما يجب عليه أن يفعله”.

وهذا التصريح مُتناسق مع رواية دون كيخوتي.. فالبطل ظن نفسه في رسالة ساميّة بينما كان يهاجم طواحين الهواء!  

آخر الكلام:

كما ترى قد يكون هناك تفسيرات كثيرة لنهاية فيلم المنصة.. سواء أحببته أم لا، دعنا نتفق على أنه فيلم قادر على استفزازك وإغضابك.. ولكن للأسف، بتفكير شامل، هذا الفيلم لم يقترب من الواقع ولو بمقدار ذراع..  فالواقع أشد وأعنف!

أخيرًا، ما رأيك في فيلم The platform؟ وكيف ترى نهايته؟

Some people got the real problems
Some people out of luck
Some people think I can solve them
Lord heavens above
I’m only human after all
I’m only human after all
Don’t put the blame on me
Don’t put the blame on me

Human, Rag’n’Bone Man

أغنية Human، أجدُ مناسبةً لإرفاقها هنا!

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: